Brent Oil:82.40$
USD/IQD:152,000
Gold:485,000 د.ع
Back to Home

مقال بقلم رئيس الوزراء علي الزيدي عن أطر ترسيخ الدبلوماسية الناجحة

مقال بقلم رئيس الوزراء علي الزيدي عن أطر ترسيخ الدبلوماسية الناجحة

بغداد – موقع قناة التحرير

يؤكد رئيس الوزراء العراقي، الذي يجري جولة أوروبية تشمل فرنسا وألمانيا أن بلاده العراق لن تسمح بأن تتحول أراضيها إلى قاعدة لإطلاق تهديدات ضد الدول المجاورة.

يقول الزيدي إن تُعرَّف بعض العلاقات بين الدول بالمصالح، فيما تتشكل علاقات أخرى بفعل التاريخ. لكن قلة منها تستند إلى العاملين معًا. والعلاقة بين العراق وفرنسا واحدة من هذه العلاقات. فعلى مدى عقود، أدرك البلدان أن توثيق العلاقات يمكن أن يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية، وأن يتطور إلى شراكة استراتيجية حقيقية عندما تتلاقى الإرادة السياسية، وصنع القرار السيادي، والمصالح المشتركة.

إن اجتماعي مع الرئيس إيمانويل ماكرون يمثل فرصة لإعادة تعريف علاقتنا على أساس المصالح المشتركة، والسيادة، والتنمية، والاستقرار، وفتح فصل جديد تقف فيه بغداد كشريك فاعل، وليس كدولة تأتي بقائمة من المطالب أو تبحث عن مظلة سياسية.

وتزداد أهمية هذه الزيارة بالنظر إلى توقيتها. فهي أول زيارة لي إلى القارة الأوروبية، وتشمل بلدين أوروبيين رئيسيين ومؤثرين في الاتحاد الأوروبي، هما فرنسا وألمانيا. كما تأتي في لحظة تشهد فيها منطقة الشرق الأوسط حالة عميقة من عدم اليقين، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى جهود إقليمية وأوروبية ودولية لاحتواء التوترات واستعادة الهدوء. ومن ثم، فإن أهمية الزيارة تتجاوز علاقتنا الثنائية. فهي فرصة لتوسيع انخراط العراق وشراكاته في مختلف أنحاء أوروبا، وتعزيز دوره في الجهد الجماعي الرامي إلى دفع الاستقرار في المنطقة.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى الشراكة الاستراتيجية بين العراق وفرنسا بمعزل عن التحديات الأوسع التي تواجه المنطقة. فالتطورات في مضيق هرمز تذكّرنا بأن الأزمات في الشرق الأوسط نادرًا ما تبقى محصورة داخل المنطقة؛ إذ يمكن لآثارها أن تتردد سريعًا عبر الحدود والأسواق. وبالنسبة إلى العراق، فإن هذه التداعيات فورية، إذ تؤثر في اقتصادنا، وسبل عيش مواطنينا، وأمننا الوطني. أما بالنسبة إلى أوروبا، فإنها تمتد إلى استقرار إمدادات الطاقة، وطرق التجارة والملاحة، والأمن الاقتصادي الأوسع. وفي هذه البيئة المترابطة، فإن مصلحة أوروبا في استقرار العراق لا تنفصل عن مصالحها الاقتصادية والأمنية.

إن الاستثمار في عراق مستقر وآمن وذي سيادة ليس استثمارًا في مستقبل منطقتنا فحسب، بل هو أيضًا استثمار في أوروبا أكثر أمنًا وقدرة على الصمود.

يسعى العراق إلى منع المزيد من التصعيد في المنطقة، مسترشدًا بسياسة تقوم على الحوار والتوازن وعدم الانحياز إلى أي من المعسكرات المتنافسة في الصراع. ونرى أن العراق يمكن أن يكون منصة للحوار، ولن نسمح بأن تتحول أراضيه إلى قاعدة لإطلاق التهديدات ضد الدول المجاورة أو إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية. ولذلك، نرحب بكل جهد دبلوماسي جاد يهدف إلى خفض التوترات، ونحن على استعداد لاستضافة محادثات مباشرة بين أطراف أي صراع متى توفرت الإرادة السياسية اللازمة.

ونعتقد أن فرنسا في موقع جيد للاضطلاع بدور بنّاء في تقريب وجهات النظر، مستفيدة من ثقلها السياسي والدبلوماسي وعلاقاتها الدولية الواسعة. أما العراق، فيمتلك فهمًا مباشرًا لتعقيدات المنطقة، إلى جانب علاقاته وقنوات التواصل مع مجموعة متنوعة من الأطراف. ويمكن للجمع بين نقاط القوة هذه أن يساعد في خفض التوترات، وتهدئة البيئة الإقليمية، وفتح آفاق جديدة للحوار والتفاهم.

لكن قدرة العراق على أداء دور اقتصادي وسياسي وإقليمي أكبر تبدأ من الداخل. فلا يمكن أن يكون هناك عراق مستقر وفاعل من دون دولة قوية.

وفي صميم هذا المشروع الوطني مبدأ أن تكون الأسلحة حصرًا بيد مؤسسات الدولة، وأن تبقى قرارات الحرب والسلام قرارات وطنية. ونحن لا ننظر إلى الجهود الرامية إلى وضع الأسلحة تحت سيطرة الدولة باعتبارها مواجهة مع أي طرف بعينه، بل نراها شرطًا أساسيًا لبناء دولة موحدة لا توجد فيها مراكز متنافسة للقوة أو لصنع القرار.

ولهذا السبب، فإن تعزيز مؤسساتنا الأمنية والعسكرية، وتعزيز الأمن السيبراني، يمثلان أولويات أساسية. ومع انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 سبتمبر، ستزداد أهمية تعميق التعاون الأمني والعسكري والدفاعي مع شركائنا، بما في ذلك فرنسا ودول أوروبية أخرى. وسيسهم هذا التعاون في تعزيز قدرة العراق على حماية أمنه وسيادته، مع ضمان أن تبقى هذه القرارات راسخة بصورة كاملة في سلطة وطنية مستقلة.

وعندما ألتقي بالرئيس ماكرون، لن يكون الهدف مجرد إضافة اتفاقية أخرى إلى الاتفاقيات التي أُبرمت بالفعل، بل سيكون تطوير رؤية أوسع وأكثر طموحًا لشراكتنا. ويدخل العراق هذه العلاقة وهو يمتلك مصادر حقيقية للقوة. فهو يمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدَّر بنحو 145 مليار برميل، كما يتمتع بسكان شباب بشكل لافت، إذ يقل متوسط أعمارهم عن 21 عامًا. ويحتل العراق كذلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يمنحه القدرة على أن يصبح جسرًا اقتصاديًا وتجاريًا يربط الخليج وآسيا وتركيا وأوروبا.

ويعمل العراق أيضًا على تنفيذ مشروع لربط الخليج بأوروبا عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية تمتد لأكثر من 1,900 كيلومتر، وتربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية. وطموحنا هو تحويل هذه الموارد، وموقعنا الاستراتيجي، وشبابنا إلى مصادر منتجة للقوة الاقتصادية، من خلال الاستثمار والتعليم والتكنولوجيا وتطوير البنية التحتية.

هدفنا واضح: عراق أقوى وأكثر استقرارًا وسيادة؛ وشراكة عراقية-فرنسية، تتوسع من خلال انخراط أعمق مع أوروبا، وتقوم على المصالح المتبادلة والتنمية والأمن؛ وجهد دبلوماسي مشترك للمساعدة في بناء شرق أوسط أكثر أمنًا واستقرارًا، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

مقال بقلم رئيس الوزراء علي الزيدي عن أطر ترسيخ الدبلوماسية الناجحة - قناة التحرير